ابن ميثم البحراني
46
شرح نهج البلاغة
قوّتيه المعرض عن متاع الدنيا غير ملتفت إليها بعد المفارقة فلم يحصل له بسببها تعذيب . فكانت المضرّة منفيّة عنه . وكان المقصّر عن الاستكمال فيهما من ضرورة طباعه الميل إلى اللذّات الحسّية . فإذا قصر عن العمل والتعلَّق بطاعة اللَّه الجاذبة إليه فلا بدّ وأن يستضرّ بحضور الأجل إذ كان الأجل قاطعا لزمان الاستكمال وحائلا بين الإنسان وبين ما هو معشوق له من حاضر اللذّات . السادس : التنبيه على وجوب التسوية للعامل بين العمل في الرغبة والعمل في الرهبة . وفيه شميمة التوبيخ للعبد على غفلته عن ذكر اللَّه وإعراضه عن عبادته في حال صفاء اللذّات الحاضرة له ، ولجأه إليه وفزعه عند نازلة إن نزلت به . فإنّ ذلك ليس من شأن العبوديّة الصادقة للَّه . وإلى مثل هذا التوبيخ أشار التنزيل الإلهيّ بقوله « وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وكانَ الإِنْسانُ كَفُوراً » ( 1 ) وغيره من الآيات ، بل من شأن العابد للَّه القاصد له أن يتساوى عبادته في أزمان شدّته ورخائه . فيقابل الشدّة بالصبر ، والرخاء بالشكر ، وأن يعبده لا لرغبة ولا رهبة وأن يعبده فيهما من غير فرق . السابع : قوله : ألا وإني لم أر كالجنّة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها قوله : ألا وإنّي لم أر كالجنّة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها . واعلم أنّ الضمير في طالبها وهاربها يعود إلى المفعول الأوّل لرأيت المحذوف المشبّه في الموضعين والتقدير لم أر نعمة كالجنّة نام طالبها ولا نقمة كالنار نام هاربها ، ونام في محلّ النصب مفعولا ثانيا . ومغزى هذا الكلام أنّه نفى علمه بما يشبه الجنّة وما يشبه النار ولم ينف علمه بذات التشبيه بل علمه من جهة الشبه وهي نوم الطالب والهارب . ولذلك استدعت أرى بمعنى أعلم هنا مفعولين أي لم أر نعمة كالجنّة بصفة نوم الطالب لها . فنبّه على وجه الشبه بقوله : نام طالبها ، ثمّ نفى التشبيه من تلك الجهة . وكذلك قوله : ولا كالنار بصفة نوم هاربها . والمفعول الثاني في الجملتين صفة جارية على غير من هي له . وهي تنبيه للموقنين بالجنّة والنار على كونهم نائمين في مراقد الطبيعة لينتبهوا منها ويتفطَّنوا [ يتّعظوا خ ] للاستعداد بالعمل التامّ لما ورائهم
--> ( 1 ) 17 - 69